Loading...
error_text
پایگاه اطلاع رسانی دفتر حضرت آیت الله العظمی صانعی :: کتابخانه عربی
اندازه قلم
۱  ۲  ۳ 
بارگزاری مجدد   
پایگاه اطلاع رسانی دفتر حضرت آیت الله العظمی صانعی :: المبحث الثاني: شهادة المرأة في رؤية الهلال

المبحث الثاني: شهادة المرأة في رؤية الهلال رؤية الهلال من الموضوعات التي تركت وما تزال تأثيراً كبيراً على حياة المسلمين; ذلك أن التاريخ الذي ترتبط به قضايا حلول الديون والحج، والعدة وسائر الأعمال الأخرى.. إنما يقاس على أساس رؤية هلال الشهر الجديد، وعليه فلرؤية الهلال آثار كثيرة في الماليات وغيرها، ولا يختصّ الأمر بصيام شهر رمضان المبارك.

وثمة شبهة تمييز أيضاً بين الرجل والمرأة هنا طبقاً لفتاوى الفقهاء القائمة على عدم قبول شهادة النساء في رؤية هلال شهر رمضان مطلقاً، إذ حتى الاثنتين منهما لا تساويان رجلاً واحداً; ولحلّ هذه الشبهة علينا أن ندرس كلا سبيليها ونجيب عنهما:

1 ـ أن نتوصّل من خلال دراسة الأدلّة إلى أن عدم قبول شهادة النساء أمر مختصّ بالصيام، وذلك لخصوصية في شهر رمضان المبارك.

2 ـ أصلاً لا وجود لمثل هذا الحكم في الشريعة، حيث ليس له مستند معتبر. وسوف نحاول هنا دراسة هذا الموضوع بالتفصيل ورصد أدلته ومنطلقاته.

والذي يربط هذا المسألة ببحثنا هنا هو وجود روايات، وتبعاً لها فتاوى، لاترى أيّ قيمة لشهادة النساء في رؤية الهلال، مثل صحيح السندي الذي ينقل فيه حماد بن عثمان عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال:


«لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا يقبل في الهلال إلا رجلان عدلان»(116)

وكذلك الرواية المرسلة المنقولة عن محمد بن مسلم; ولا ذكر فيها لاسم الإمام قال:


«لا تجوز شهادة النساء في الهلال، ولا في الطلاق»، قال: وسألته عن النساء تجوز شهادتهنّ؟ قال: «نعم، في العذرة والنفساء».(117)

ولا يفوتنا أن النجفي صاحب الجواهر نقل روايةً تعارض هذه الروايات، ومضمونها القبول بشهادة النساء في أوّل شهر رمضان، أما في عيد الفطر وإثبات الأول من شوال فلا يؤخذ بها، والرواية هي خبر داوود بن الحصين ـ وهي رواية طويلة ـ عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال:


«لا تجوز شهادة النساء في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين، ولا بأس في الصوم بشهادة النساء، ولو امرأة واحدة».[118]


الآراء والنظريات


الجدير بالذكر أن هناك اختلافاً بين الفقهاء منذ قديم الأيام حول مسألة قبول شهادة الرجلين العدلين في إثبات هلال شهر رمضان، ومنطلق هذا الاختلاف وسببه وجود الروايات المختلفة التي وصلت عن أهل البيت(عليهم السلام)في هذا المجال، وعليه، فهناك ثلاثة آراء في هذا المضمار:(119)


1 ـ أن شهادة العادلين حجة مطلقاً، وهذا هو المشهور بين الفقهاء.(120)

2 ـ لا حجية لشهادة العادلين عندما لا يكون في الجوّ مانع عن الرؤية كالغيم والغبار، أما في غير هذه الحالة فتكون حجةً، وقد قام هذا القول على رواية إبراهيم بن عثمان الخزاز،(121)(122) والطوسي في المبسوط،(123) والخلاف،(124) وابن زهرة،(125)وابن حمزة،(126) وابن البراج،(127)وأبو الصلاح.(128)

3 ـ نقل المحقق الحلي عن جماعة القول بعدم حجية شهادة العدلين مطلقاً، مصرّحاً بعدم العلم بقائل هذا القول بالتحديد.(129)


ويفهم من هذه الاختلافات في شهادة الرجلين العادلين أن من الممكن أن يكون لشهر رمضان المبارك خصوصية، هي التي سبّبت عدم قبول شهادة النساء في إثباته، لا أن المرأة لكونها امرأةً كانت السبب في ذلك، ومن الطبيعي أنّ هذه الخصوصية إنما هي لأجل قضية الصيام في هذا الشهر المبارك، وإلا فلا دليل على عدم حجية هذه الشهادة في سائر الآثار، مثل ثبوت زمان الدّين; وعليه فعدم حجية شهادة النساء على هذا الفرض مربوط بأمر عبادي وتكليفي وبخصوصية في شهر رمضان نفسه، حيث لا يجوز للإنسان صيام الشك،(130)ولا ربط لذلك بمجال الحقوق أو التمييز فيها.

ولممارسة دراسة عميقة وتحليلية، يلزمنا رصد الأدلّة التي شكّلت مستند الفقهاء; كي تتضح الخصوصية الموجودة في مسألة رؤية الهلال والتي تلغي قيمة شهادة المرأة فيها، سيما مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذا الحكم يقع على خلاف بناء العقلاء وإلغاء الخصوصية، فلابد أن نرى: هل هناك دليل يمكن الاعتماد عليه يسمح لنا بمخالفة هذا البناء العقلائي؟

أدلّة عدم قبول الشهادة، بيان الاستدلال وقراءة نقدية تحليلية


لا شك في أنه لا دليل قرآني في مسألتنا هنا، كما لا يوجد في أيّ من الاستدلالات الفقهية المذكورة عند فقهاء الشيعة والسنّة أيّ آية قرآنية معتمدة في هذا البحث، فعمدة الدليل الموجود في المصادر والمراجع الفقهية هنا هي الروايات، لذلك نبدأ ببحثها.

أ ـ الروايات


تنقسم الروايات الواردة إلى مجموعتين:

إحداهما تلك الروايات الدالة على كفاية شهادة العدول أو العدلين، ولا إشارة فيها إلى كون الشاهد ذكراً أو أنثى. وثانيهما الروايات الدالّة على عدم قبول سوى شهادة رجلين عدلين، وأما شهادة النساء في الهلال فغير مقبولة.

1 ـ الطائفة الاُولى

1 ـ صحيح السندي، الذي ينقل فيه منصور بن حازم عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه قال:


«صم لرؤية الهلال وافطر لرؤيته; فإن شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه».(131)


2 ـ صحيحة عبد الله بن سنان عن ألامام الصادق(عليه السلام):


«لا تصم إلا للرؤية أو يشهد شاهدا عدل».(132)


3 ـ خبر زيد الشحّام عن الإمام الصادق(عليه السلام) عندما سئل عن الأهلّة (جمع هلال) فقال:


«هي أهلّة الشهور فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فأفطر»، قلت: أرأيت إن كان الشهر تسعةً وعشرين يوماً أقضي ذلك اليوم؟ فقال: «لا، إلا أن يشهد لك بيّنة عدول، فإن شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك، فاقض ذلك اليوم».(133)


4 ـ صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق(عليه السلام) وهي تشابه رواية زيد الشحّام.(134)

5 ـ خبر محمد بن قيس عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنه قال:

«إذا شهد عند الإمام شاهدان أنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً، أمر الإمام بالإفطار».(135)


وهناك روايات أخرى وردت في هذا الخصوص نقلها الحرّ العاملي في وسائل الشيعة في الجزء العاشر من كتاب الصوم.(136)

وهنا حتى لو قلنا ـ فيما يتعلّق بهذه الروايات الدّالة على لزوم شهادة عدلين أو شاهدين مرضيين ـ بأن المقصود من العادلين أو المرضيين أو البينة خصوص الرجل العادل، إلا أنه يمكن إلغاء الخصوصية العرفية وتنقيح المناط بمناسبات الحكم والموضوع، للحكم بسراية الأمر إلى النساء أيضاً، فتكون هذه الروايات دليلاً على حجية شهادة المرأة; لأن مناط حجية شهادة العدول والشهود المرضيين هو ـ في نظر العرف والعقلاء ـ العدالة والرضا والوضوح في مورد القضية، لا هذه الخصائص عندما تكون الشهادة من الرجل خاصّة.

وينبغي هنا ذكر أمر له استخدام في تمام أبواب الفقه وهو جدير بالنظر، وهو أن المتفاهم العرفي من عناوين مثل العالم والعادل والفاضل والمرضي وأمثال ذلك هو الأعم من المذكّر والمؤنث، وأن المناط والمعيار في الأحكام والآثار المترتبة عليها هو المبدأ والمصدر الموجود في هذه العناوين، أي العلم والفضل والعدل، لا المبدأ مع إضافة قيد الذكورة، والذي هو احتمال ضعيف جداً وغير صائب بنظر العرف إلى حدّ أنه يمكن اعتباره على خلاف النص.

2 ـ الطائفة الثانية


وهي عبارة عن مجموعة من الروايات المصرّحة بعدم حجيّة شهادة النساء في رؤية الهلال، وهذه الروايات هي المركز الرئيس لبحثنا هنا ومناقشتنا، وهي:


1 ـ صحيحة الحلبي، عن الإمام الصادق(عليه السلام) أن علياً(عليه السلام)كان يقول:


«لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين».(137)


2 ـ خبر حماد بن عثمان عن ألامام الصادق(عليه السلام) عن أمير المؤمنين(عليه السلام):


«لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين».(138)


3 ـ خبر حماد بن عثمان عن ألامام الصادق(عليه السلام) عن أمير المؤمنين(عليه السلام):


«لا تجوز شهادة النساء في الهلال، ولا يجوز إلا شهادة رجلين عدلين».(139)


4 ـ خبر شعيب بن يعقوب، عن جعفر، عن أبيه، عن أالامام علي(عليه السلام):


«لا أجيز في الطلاق ولا في الهلال إلا رجلين».(140)


5 ـ خبر محمد بن مسلم المرسل قال: قال:


«لا تجوز شهادة النساء في الهلال، ولا في الطلاق»،

وقال: سألته عن النساء تجوز شهادتهنّ؟ قال: «نعم في العذرة والنفساء».(141) وحيث إن شأن محمد بن مسلم أجلّ من أن يروي عن غير المعصوم لذا كانت هذه الرواية خارجة عن الإضمار.

6 ـ وفي رواية مرسلة لمحمد بن مسلم جاء فيها:


«لا تجوز شهادة النساء في الهلال».(141)


وفي هذه الرواية لم يرد اسم الإمام المعصوم، لكن وانطلاقاً مما قلناه آنفاً يرتفع إشكال الإضمار من الرواية.

7 ـ خبر حبيب الخزاعي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال:


«لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً عدد القاسمة، وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر، وكان بالمصر علّة فأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية وأفطروا للرؤية».(143)


8 ـ خبر محمد بن عيسى عن يونس عن عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه قال: «لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال..».(144)


ب ـ كيفية الاستدلال، دراسة نقدية


إن الاستدلال بهذه الروايات على عدم حجية شهادة النساء في رؤية الهلال واضح ولا يحتاج إلى مزيد من التوضيح، إلا أنّ هناك بعض الشبهات والمناقشات التي ترد على الاستدلال بهذه الروايات نذكرها ونقول:


أولاً: نستنتج من مطالعة الطائفتين الواردتين في رؤية الهلال أن عدم حجية شهادة المرأة لا تزيد عن حدود ثبوت هلال شهري رمضان وشوال، مما له علاقة فقط بمسألة الصيام، فلا تدلّ على الموضوع في هلال سائر الشهور، وعبر ذلك نخرج ـ اعتماداً على الأصل الثانوي الذي قرّرناه في باب الشهادة سابقاً ـ بنتيجة تقضي بنفوذ شهادة النساء في الأشهر الاخرى وما يترتب على حلول شهر رمضان من آثار غير الصيام، مثل أداء الدين، وبناءً عليه فإذا شهدت امرأتان بأنّ هذا اليوم هو الأول من شهر رمضان أمكن للمدّعي مطالبة المديون بالدين نتيجة ذلك; لأن أكثر روايات ثبوت الهلال متصلة بهلالي رمضان وشوّال، وفي أكثرها جاءت كلمة الصوم والإفطار، إلا أربع روايات،(145) مثل صحيح حماد بن عثمان عن الحلبي: «لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين»،(146) ورواية شعيب بن يعقوب، قال(عليه السلام): «لا أجيز في الطلاق ولا في الهلال إلا رجلين»،(147) فهذه الروايات مطلقة، فتدلّ بإطلاقها على أن شهادة النساء في رؤية الهلال غير نافذة في تمام الشهور وليست بحجة.

ولابد من التدقيق هنا في أنّ التمسك بالإطلاق وحجية هذه الروايات كان ببناء العقلاء والفهم العرفي، والعرف والعقلاء لا يحرزون وجود إطلاق في هذه الروايات مع وجود روايات هنا متصلة بشهر رمضان; ذلك أنهم يحتملون أن المقصود بهذه الروايات الأربع هو هلال شهر رمضان، لهذا فهم يفسّرونها ـ نظراً لسياق أكثرها ـ باختصاصها بصيام شهر رمضان.

وإذا رفض بعضٌ هذا الاحتمال المستند إلى سياق الأحاديث وشمّها أمكننا القول: إننا نشك في بناء العقلاء على التمسّك بإطلاق هذه الروايات المعدودة في مقابل عدد كثير من الروايات مختصّ بشهر رمضان المبارك، ولا يمكن التمسّك بالإطلاق اعتماداً على بناء عقلائي مشكوك; ذلك أن التمسك بالإطلاق والاعتماد على بناء العقلاء والفهم العرفي لابد فيه من إحراز البناء العقلائي والفهم العرفي أولاً، وما لم يتحقق ذلك فلا يمكن الاعتماد المذكور; لأن الاعتماد على الحجة والدليل مشكوك هنا، والعقل يحكم بعدم صحة هذا الاعتماد أو هذا الاستناد إلى الشك. وبعبارة أخرى: إنّ هذه الأحاديث الأربعة ليس فيها ظهور إطلاقي مع فرض قيام الاحتمال العقلائي على عدم الإطلاق فيها واختصاصها بشهر رمضان، الأمر المستند إلى السياق والشمّ الحديثي، وكما يقال: فإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

ومع الأخذ بعين الاعتبار ما تقدّم، نستنتج أن عدم حجية شهادة النساء مرتبط بأمر عبادي تكليفي خاص ولا علاقة له بباب الحقوق، وأن علّة عدم قبول شهادة النساء في باب الصوم ليس جنس المرأة، بل ما بيّناه سابقاً من أن مسألة الصوم لها خصائص تتصل حتى بشهادة الرجلين العدلين، حيث شرطت سلسلة شروط تتجاوز الشروط العامة في الشهادة، مثل أن يكون الشهود خارج المدينة إذا كان في داخلها ما يمنع رؤية الهلال، أو أن يكونوا ممّن يدخل المدينة ويخرج منها كنايةً عن سكان البادية، وروايتا الخزاز،(148)وحبيب الخزاعي(149) شاهدتان على هذه الخصوصية. وعدم قبول شهادتهنّ في أمر عبادي تكليفي لعلّه لضعف نظرهنّ، كما جاء في تعليل إحدى الروايات لعدم حجية شهادة النساء بالقول: «لضعفهنّ عن الرؤية»،(150) أو لسرعة تصديقهنّ، وهما خصوصيتان كانتا متحققتان في عصر النص وصدور الروايات، ونتيجة ذلك كلّه أن عدم قبول شهادة النساء إنما جاء في مورد حكم مقطعي واحد مربوط بموضوع خاص، لا أنه حكم كلي دائمي.

ثانياً: ثمة نقاط تستحقّ الانتباه في هذه الروايات وهي:


1 ـ إن روايات رؤية الهلال لها لسانان:

أحدهما «قال علي: لا أجيز شهادة النساء»، وثانيهما «لا يجوز ولا تقبل شهادة النساء».

2 ـ إن ناقل أربع روايات من الروايات الست المرتبطة بالموضوع إما الحلبي أو حماد بن عثمان أو حماد عن الحلبي.

3 ـ لم يذكر في رواية محمد بن مسلم اسم الإمام، إلا أن مضمون الرواية مطابق لما جاء في رواية حماد أو الحلبي.

4 ـ إن متن رواية شعيب بن يعقوب مطابق لمتن رواية الحلبي.

5 ـ لقد جاء النصّ الذي نقله حماد بن عثمان عن عبيد الله بن علي الحلبي في إحدى الروايات بجملة: «لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال..»،(151)لكن مع السند عينه جاءت الجملة في نقل آخر: «لا أجيز في رؤية الهلال».(152)

6 ـ جاء في سند رواية عبد الله بن سنان: محمد بن عيسى عن يونس، وهذا النقل غير معتبر.(153)

ومع الأخذ بعين الاعتبار هذه النقاط الست، يحتمل أن الرواة الذين أرادوا نقل جملة «ولا أجيز» عن علي(عليه السلام) قاموا بنقلها بالمعنى ليعبّروا عنها بجملة «لا تجوز»; ذلك أن الإمام الصادق(عليه السلام) عندما ينقل عن ألامام علي(عليه السلام)فالظاهر منه أنه ينقل ما ذكره ألامام علي(عليه السلام) وهو «لا أجيز»، لا «لا تجوز»، وبناءً عليه فهناك احتمال في أن يكون قد حدث تسامح من طرف الرواة الناقلين، فنقلوا الجملة بالمعنى، فصارت «لا أجيز»، «لا تجوز»، وهذا الاحتمال يرفع الاختلاف بين الروايات ويجمع بينها، وخلاصة الكلام أنه مع هذا الاحتمال تدلّ الروايات كافة على عدم إجازة أمير المؤمنين(عليه السلام): «لا أجيز»، لشهادة النساء في رؤية الهلال في زمانه، لا أنها تريد بيان حكم إلهي كلّي في تمام الأزمنة.

إذن، مع احتمال أن الصادر شيء واحد ليس إلا، وقد صدر إما بلفظ «لا أجيز» أو بلفظ «لا تجوز»، فلابد من الأخذ بالقدر المتيقن، وهو مفاد جملة «لا أجيز»، وفي هذه الحال لا يمكن أن نستنتج من هذه الجملة حكماً كلياً إلهياً ودائماً، وهذا ما جاء نظيره في روايات باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما روي عن زرارة أنه سأل الإمام عن التقية في مسح الخفين، فأجابه:


«ثلاثة لا أتقي فيهنّ أحداً: شرب المسكر، مسح الخفين ومتعة الحج»(154)


فإن تعبير الإمام: «لا أتقي» دون «الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهنّ أحداً» يُعلم منه أنّ الحكم مختصّ بالإمام، وعليه فمن الممكن أن تكون هناك خصوصيات في شهادة المرأة في عصر الإمام علي(عليه السلام) هي التي دفعته إلى عدم الإجازة، وهو ما يؤدي في النتيجة إلى عدم إمكان اعتبار الحكم بعدم حجية شهادة المرأة العادلة دائمياً، بل هذا محلّ نظر وتأمل، مضافاً إلى أنه لا مبرر للقول بتعبدية حكم الشهادة في باب رؤية الهلال لمن دقّق النظر في الروايات، ذلك أن شهادة العدلين نفسها لم تقبل أيضاً في بعض الحالات، هذا أولاً، كما أن العرف والعقلاء ـ ثانياً ـ لا يرون أيّ اختلاف بين شهادة الرجل والمرأة إذا كانت عن حسّ وعلم بالمشهود به مع الأخذ بعين الاعتبار الغرض من الشهادة وهو إثبات دعوى أو الإخبار، وهذا البناء العقلائي وإلغاء الخصوصية عن الشاهدين الذكرين العدلين مؤيّد من جانب القرآن الكريم; ذلك أن القرآن عندما أراد تبيين حكم الشهادة في الدَّين قال: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ)،(155) فلو أن بناء العقلاء قائم على عدم الأخذ بشهادة النساء لم تكن هناك حاجة لتعبير «رجالكم» إلا أنّ الله تعالى لما كان عالماً بعدم تفريق العقلاء بين شهادة المرأة والرجل، أحضر في الجملة كلمة «رجالكم»، وكذلك الحال في قوله تعالى: (فَإِن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ[156] فإنه لما كان مع خلاف مبنى العقلاء ذكر بعد ذلك دليله، فعلّله بعلّة خارجية عارضة، وبعبارة أكثر وضوحاً وأبعد من مجرّد التأييد لابد من القول: إن الآية الشريفة لا تؤيد بناء العقلاء فقط وانما تدلّ على ثبوت هذا البناء وإمضائه.

دلالة الآية على ثبوت البناء العقلائي في عدم التمييز


حيث جعلت الآية الشريفة المتقدمة شهادة امرأتين مكان شهادة الرجل الواحد، وقبلت هذه الشهادة ذاكرةً ـ بلا فصل ـ علّة عدم التساوي بعد ذكر حكم ذلك، تكون دالّة بالدلالة الالتزامية على بناء العقلاء على عدم الفرق بين شهادة الرجل والمرأة ممضيةً هذا البناء وموافقةً عليه; ذلك أنه لو لم يكن هذا البناء قائماً بين الناس وكانوا يرون شهادة المرأتين في موضع الرجل الواحد، لما كان هناك حاجة لبيان لزوم المرأتين في موضع الرجل الواحد، قال تعالى: (فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) ثم بين العلّة قائلاً: (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُْخْرَى); ذلك أنه عندما ترى الآية شهادة الرجلين معتبرةً فإن العرف والعقلاء ـ وعلى تقدير الفرق بين الشهادتين ـ سوف يفهمون من الآية لزوم الرجلين في الشهادة، وإلا كفت المرأتان مكان الرجل الواحد، إذاً فلا حاجة ولا لزوم لبيان قيام المرأتين مكان الرجل الواحد، ثم بيان علّة عدم التساوي.

وخلاصة القول:

إن ذكر هذين الأمرين حاك عن ردع الشارع عن بناء العقلاء في باب الدَّين، والأمر الهام أنّ العلّة المذكورة تلاحق أمراً عقلائياً وارتكازياً في مورد يخرج فيه السهو والنسيان عن الحدّ المتعارف في الشهود، فلجبر هذا الأمر ورفع معدّل الاطمئنان جعلت شهادة المرأتين الشاهدتين في موضع الرجل الواحد مقبولةً وحجةً، ونظراً لعدم ردع الشارع عن هذا البناء العقلائي في شهادة النساء على رؤية الهلال يمكن المناقشة في الأخذ بإطلاق الروايات والحكم بعدم حجية شهادة النساء في مسألة الهلال عند العقلاء والشرع الحاكمين بأنّ معيار الشهادة هو عدالة الشاهد وإخباره عن حسّ، وانصراف الروايات إلى شهادة النساء اللواتي فيهنّ مواصفات خاصّة من قبيل ضعف البصر وغير ذلك ليس بعيداً.

وفي نهاية المطاف، يجدر ـ لزاماً ـ التذكير بنقطة أساسية يمكنها أن تفتح الطريق أمام الكثير من القضايا المشابهة لقضيتنا هنا، وهي أن الشارع جلّ عزّه وتقدّست أسماؤه لم يُعمل في كتابه النوراني شارعيّته وتعبّده المحض عندما كان هناك اختلاف بين شهادة الرجل والمرأة، وإنما أرجع الأمر إلى مطلب عقلائي وعرفي، وهو احتمال النسيان والسهو، فقال: (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُْخْرَى) وهذا ما يشكّل بنفسه دليلاً واضحاً على اختلاف منهج التقنين الذي يستخدمه الشارع في الموارد التي للعقل البشري سبيل إلى وعيها وإدراكها عن منهجه في التقنين فيما لا تدركه عقول الناس ولا تقدر على وعي ملاكه ومعياره، مما يدفع الشارع لممارسة عملية التعبّد في هذا المجال.

ج ـ الإجماع ونقد الاستدلال به


يعدّ الإجماع من جملة الأدلّة على عدم صحّة الاعتماد على شهادة النساء في رؤية الهلال، فالفاضل الهندي نسبه في كشف اللثام(157) إلى كتاب «الغنية»، كما جاء في كلام النجفي صاحب الجواهر:


«وكذا لا يثبت بشهادة النساء منفردات ومنضمّات إلى الرجال، إجماعاً بقسميه، ونصوصاً».(158)


لقد أوضحنا في الأبحاث السابقة أنّ الإجماع لا يمثل في الفقه الشيعي دليلاً مستقلاً، خصوصاً في المباحث التي تقع مركزاً لحديث الروايات والسنّة; ذلك أن هناك احتمالاً في أن يستند هذا الإجماع إلى الروايات، أو ما عبّر عنه صاحب الجواهر بالنصوص الواردة في رؤية الهلال، من هنا لا يمكن الاعتماد على الإجماع في المقام بوصفه دليلاً مستقلاً; نظراً لمدركيته.
___________________________________________________________-
(116) المصدر نفسه: 355، ح17.
(117) المصدر نفسه: 353، ح8.
(118) المصدر نفسه: 361، ح36.
(119) جواهر الكلام 16: 354.
(120) المصدر نفسه: 355.
(121) وسائل الشيعة 10: 289، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، باب 11، ح10.
(122) المقنع: 183.
(123) المبسوط 1: 267.
(124) الخلاف 2: 172، المسألة: 11.
(125) غنية النزوع: 135.
(126) الوسيلة: 141.
(127) المهذب 1: 198.
(128) الكافي في الفقه: 181.
(129) شرائع الإسلام 1: 181، كتاب الصوم.
(130) اصطلاح عدم صوم الشك هو عبارة عن مضمون رواية، يقول الإمام(عليه السلام)فيها في جواب عن رسالة وجّهت إليه: «لا تصو منّ الشك». فانظر: وسائل الشيعة 10: 297، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، باب 15، ح15.
(131) وسائل الشيعة 10: 254، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، باب 3، ح8.
(132) المصدر نفسه: 260، ح28.
(133) المصدر نفسه: 262، باب 5، ح4.
(134) المصدر نفسه: 264، ح9.
(135) المصدر نفسه: 275، باب 6، ح1.
(136) المصدر نفسه: 267، باب 5، ح19، 20، 21، و: 275 ـ 276، باب 6، ح1، 2.
(137) المصدر نفسه: 286، باب 11، ح1.
(138) المصدر نفسه: 288، ح8.
(139) المصدر نفسه: 287، ح 3.
(140) المصدر نفسه: 289، ح9.
(141) المصدر نفسه 27: 353، كتاب الشهادات، باب 24، ح8.
(142) المصدر نفسه 10: 286، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، باب 11، ح2.
(143) المصدر نفسه: 290، ح13.
(144) المصدر نفسه 27: 353، كتاب الشهادات، باب 24، ح10.
(145) المصدر نفسه 10: 287 ـ 289، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، باب 11، ح3، 7، 8، 9.
(146) المصدر نفسه: 288، ح7.
(147) المصدر نفسه: 289، ح9.
(148) المصدر نفسه: 289، ح10.
(149) المصدر نفسه: 290، ح13.
(150) المصدر نفسه 27: 365، كتاب الشهادات، باب 24، ح50.
(151) وسائل الشيعة 10: 288، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، باب 11، ح7.
(152) المصدر نفسه، ح8.
(153) لا يرى سماحة الأستاذ آية الله العظمى الصانعي أن نقل محمد بن عيسى عن يونس حجة ومعتبر، ودليله على ذلك أن الشيخ الصدوق ينقل عن أستاذه محمد بن الحسن بن الوليد أنه لم يكن يقبل بروايات محمد بن عيسى عن يونس، فانظر: المامقاني، تنقيح المقال 3: 167، الرقم: 11211.
(154) وسائل الشيعة 1: 457، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، باب 38، ح1.
(155) البقرة: 282.

(156) المصدر نفسه.

(157) كشف اللثام 10: 327.
(158) جواهر الكلام 16: 363.
عنوان بعدیعنوان قبلی




کلیه حقوق این اثر متعلق به پایگاه اطلاع رسانی دفتر حضرت آیت الله العظمی صانعی می باشد.
منبع: http://saanei.org