Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: دروس خارج الفقه
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: قصاص النفس (درس24)
قصاص النفس (درس24)
الدرس دروس خارج الفقه
_AyatollahSanei
القصاص
الدرس 24
التاريخ : 2008/12/17

بسم الله الرحمن الرحيم

تداخل قصاص الطرف في قصاص النفس
واستدلّ لعدم التداخل مطلقاً بعموم أدلّة القصاص من الكتاب والسنة، وقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدَى عَلَيْكُمْ)[1]. مضافاً إلى استصحاب الحالة السابقة على فرض عدم الإطلاق في تلك الأدلّة، والشكّ في تحقق الرافع.
وفيه: عدم المحلّ لهما مع الصحيحة ومع رواية ابن قيس المستدلّ بها على التفصيل بتقديم الدليل على الأصل، وتخصيص العمومات بالنص الخاص.
وأمَّا التفصيل فدليله رواية محمّد بن قيس عن أحدهما عليهما السلام, في رجل فَقأَ عينَي رجل وقطع أُذنيه ثمّ قتله، فقال: ((إنْ كان فرّق ذلك اقتُصّ منه ثمّ يُقتل, وإنْ كان ضربه ضربة واحدة ضُربت عنقه ولم يقتص منه))[2].
وقيل: وحسنة حفص بن البختري, قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السلام ـ عن رجل ضرب على رأسه فذهب سمعه وبصره واعتقل لسانه ثمّ مات، فقال: ((إنْ كان ضربه ضربةً بعد ضربة اقتُصَّ منه ثمّ قُتِل، وإنْ كان أصابه هذا من ضربة واحدة قُتِل ولم يقتصّ منه))[3].
لكنّها ظاهرة في السراية التي ليست هي محلّ البحث.
وما في (الجواهر): (اللّهم إلاَّ أنْ يُقال: إنَّ إطلاق الجواب فيه شامل لصورة المسألة)[4] غير تام; لعدم الإطلاق في الجواب، بل مختصّ بصورة السؤال، لمكان ضمير الغائب, وهو اسم ((كان)) الراجع إلى الرجل المسؤول عنه ممَّن يكون قتله بالسراية من الجناية على الطرف.
هذا كلّه في الحسنة, وأمَّا الرواية فضعيفة باشتراك ابن قيس بين الثقة وغيره، اللّهم إلاَّ أنْ يُقال بأنَّها صحيحة إليه, واشتراكه مجبور بابن أبي عمير, المجمع على تصحيح ما يصح عنه الراوي عنه ولو بواسطةمحمّد بن أبي حمزة، وباعتضاد ما فيها من الحكم الأوّل بما مرّ دليلاً للقول بعدم التداخل، ومن الحكم الثاني بأنَّه ما جنى عليه عرفاً إلاّ جناية واحدة, فيكون قتله خاصة اعتداءً بما اعتدى، واقتصاص الزائد تعدياً خارجاً، وبدلالة ما في صحيحأبي عبيدة عليه، فقد ورد فيه: فما ترى عليه في الشجّة شيئاً ؟فقال: ((لا, لأنّه إنّما ضرب ضربة واحد))[5] ، فتأمل.
والتحقيق: أنّه ينبغي القطع بالتداخل مع اتحاد الضرب مثلاً؛ لاتفاق النصوص عليه وأكثر الفتاوى, مع عدم منافاة العمومات لها كما مضى، وعلى تقديرها فلتكن بها مخصصَّة، فإنَّ الخاصَّ مقدَّم على العامّ وإنْ كان أظهر, فضلاً عن العكس كما في المقام.
التداخل مع التعدُّد
بقي الكلام في التداخل مع التعدُّد، فعلى حجيّة روايةابن قيس ـ لما ذُكر من وجود ابنأبي عمير من أصحاب الإجماع في السند, واعتضاد مضمونها بما مرّ ـ فلا بدّ من القول بعدم التداخل، فإنّ الرواية أخصّ من الصحيحة الشاملة للسراية وغيرها, فتكون مخصصَّة بها.
هذا، مع ما مرّ من احتمال اختصاصها بالسراية وإنْ لم يكن تاماً، وذكرنا أنَّ الصحيحة مطلقة، كما أنّه على حملها على الضربات المتكررة المتوالية، مع القول بأنَّ فيها الأمارية على السراية أو القول بانصراف أدلّة قصاص الأطراف عن مثل ذلك، فعليه يكون ما في الصحيحة بياناً للمنصرف عنه، فلا منافاة بينهما وبين العمومات والإطلاقات.
ولا بدّ من القول بعدم التداخل أيضاً للعمومات والإطلاقات، مضافاً إلى الاستصحاب المؤيَّد بالرواية كما لا يخفى.
وحمل الرواية على أحد الوجهين غير بعيد، واللازم منه التفصيل بين الضربات في التداخل وعدمه بين المتوالي والمنفصل، ولمّا أنَّ الأصل عدم التداخل, فمع الشكّ في التوالي الموجب للأمارية أو للانصراف لابدّ من قصاص الطرف زائداً على النفس.
وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ ما في المتن من التفصيل ونفي البعد في محلّه.
وفي (الرياض): (بقي الكلام في التداخل مع التعدُّد، والأقرب فيه العدم; لتعدُّد ما يدلّ عليه خصوصاً وعموماً, وكتاباً وسنةً، مضافاً إلى الاستصحاب كما تقدَّم، والتأيّد بالاعتبار قطعاً كما نبّه عليه بعض أصحابنا فقال على القول الثاني: (وفيه: بُعدٌ؛ إذ يلزم أنْ لو قطع يده مثلاً في وقت, ثمّ يده الأُخرى في سنة, ثمّ رجله في سنة, وأُخرى في أُخري, ثمّ قتله في سنة, لم يلزمه إلاَّ القَوَد أو دية النفس، فينبغي اشتراط اتّحاد الوقت أو تقاربها, ولكنه غير منضبط).
وهو حسن؛ للآيات والأخبار, ولا يعارض جميع ذلك الصحيح الواحد، مع أنّه عارضه الماتن في (نكت النهاية)[6] بالخبر: ((قضى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في رجل ضرب رجلاً بعصا, فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه, وانقطع جماعه وهو حيٌّ, بست ديات)). ولكن وجه المعارضة في مفروض المسألة غير واضحة)[7].
وفيه: أنَّ الجميع ليس بأزيد من العمومات والإطلاقات، ومن خصوص رواية ابن قيس, ومن الاستصحاب، مضافاً إلى تلك الأدلة، ومن البعد وعدم الانضباط، لكنّ الصحيحة بوحدها قابلة للمعارضة مع الجميع; لكفاية الصحيحة الواحدة الخاصّة في تخصيص العمومات وإنْ كانت أزيد من العشرة وما فوقها، فتأملّ.
والبُعد بعدم الانضباط غير مضرّ؛ لما ذكرناه من الأصل.
(مسألة 44: لو اشترك اثنان فما زاد في قتلواحد اقتصّ منهم إذا أراد الولي، فيردُّ عليهم ما فضل من دية المقتول، فيأخذ كل واحدما فضل عن ديته، فلو قتله اثنان وأراد القصاص يؤدي لكلٍّ منهما نصف دية القتل، ولو كانواثلاثة فلكلِّ ثلثا ديته وهكذا. وللولي أنْ يقتص من بعضهم ويردَّ الباقون المتروكون دية جنايتهم إلى الذي اقتص منه، ثمّ لو فضل للمقتول أو المقتولين فضل عما ردّه شركاؤهم قام الولي به، ويردّه إليهم, كما لو كان الشركاء ثلاثة فاقتصّ من اثنين، فيردَّ المتروك دية جنايته ـ وهي الثلث ـ إليهما، ويرد الولي البقية إليهما وهي دية كاملة، فيكون لكلِّ واحد ثلثا الدية).
بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل في (الجواهر): (الإجماع بقسميه عليه)[8], بل هو الموافق لبعض العامّة أيضاً, مع ما لهم من الاختلاف, وثلاثة أقوال أُخرى ننقلها عند الفراغ عن هذه المسألة.
وفي (الخلاف): (ذهاب طائفة منهم إلى أنَّ الجماعة لا تقتل بالواحد ولاواحد منهم)[9].
وفيه: أنَّة منافٍ لشرعيّة القصاص وكونه لحقن الدماء، فلو لم يجب عند الاشتراك لاتُّخذ ذريعة إلى سفكها، ولقوله تعالى: (ومَنْ قُتِلَ مَظْلُومَاً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَليِّهِ سُلْطَاناً فـلا يُسْرِفْ فِي القَتْلِ)[10] ، فلو لم يجز للولي القصاص والمقابلة بالمثل مع الاشتراك لما كان له سلطان في القتل ولا ولاية له فيه، فذلك القول منافٍ لإطلاق الآية ولعلّة شرعية القصاص.
والدليل على ما في المتن من الأحكام التي لا إشكال فيها ولا خلاف ـ مضافاً إلى قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) منضمَّة إلى عموم أدلة القصاص، وإلى عدم الخلاف، بل والإجماع بقسميه كما مرَّ، وإلى الاعتبار ـ النصوص المستفيضة:
منها: موثق فضيل بن يسار، قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السلام ـ: عشرة قتلوا رجلاً؟ قال: ((إنْ شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً وغرموا تسع ديات، وإنْ شاءوا تخيَّروا رج.لاً فقتلوه, وأدى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير عُشْر الدية كلّ رجل منهم ـ قال: ـ ثمّ الوالي بعدُ يلي أدبهم وحبسهم))[11].
ومنها: صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام, في عشرة اشتركوا في قتل رجل، قال: ((يخير أهل المقتول, فأيُّهم شاءوا قتلوا, ويرجع أولياؤه على الباقين بتسعة أعشار الدية))[12].
وهو بانضمام صحيح داود بن سرحان[13] حجةٌ على كلِّ المسألة, كما أنَّ في صحيح داود وحده دلالة على الكلِّ أيضاً كما لا يخفى.
ومنها: صحيح ابن مسكان عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: ((إذا قتل الرجلان والثلاثة رجلاً؛ فإنْ أرادوا قتلهم ترادّوا فضل الديات، فإنْ قَبِل أولياؤه الدية كانت عليهما، وإلاّ أخذوا دية صاحبهم))[14].
وهو أيضاً مثل صحيح داود في الدلالة.
ومنها: خبرعلي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام, قال: سألته عن قوم مماليك اجتمعوا على قتل حر, ما حالهم؟ فقال: ((يُقتلون به)).
وسألته عن قوم أحرار اجتمعوا على قتل مملوك, ما حالهم ؟ فقال: ((يردّون قيمته)) وفي نسخة: (( ثمنه))[15].
ويعارض الأخبار صحيح أبي العباس البقباق وغيره عن أبي عبد اللّه عليه السلام, قال: ((إذا اجتمع العدّة على قتل رجل واحد حكم الوالي أنْ يقتل أيَّهم شاءوا, وليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد، إنَّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلومَاً فَقَد جَعَلْنَا لِوَلِّيهِ سُلْطَاناً فَـلا يُسْرِفْ فِي القَتْلِ)[16]. وإذا قتل ثلاثةٌ واحداً خُيِّر الوالي أي الثلاثة شاء أنْ يقتل, ويضمن الآخران ثلثي الدية لورثة المقتول))[17].
وفي (الجواهر): (ولكنّه شاذ قاصر عن معارضة غيره من وجوه، فليُحمل على الندب أو التقية أو غيرهما)[18].
وفي (الوسائل): (أقول: حمله الشيخ على التقية أو على ما مرَّ من التفصيل, وهو أنّ لهم قتل ما زاد على واحد إذا أدّوا ما بقي من الدية، وإلاّ فلهم قتل واحد فقط. ويحتمل الكراهة)[19].
ولعلَّ مراد (الجواهر) من (غيرهما) ما نقله في (الوسائل) عن الشيخ من التفصيل، ولا يخفى أنّ الحمل كذلك مع أنَّه غير بعيد؛ لكونه من باب حمل ما في صحيح البقباق من الإطلاق في نفي القتل عن الزائد على الواحد على صورة عدم أداء دية الزائد عنه على ورثة الآخر، فالحمل يكون من حمل المطلق على المقيّد، وهو موجبٌ لنفي التعارض من رأس, فلا حاجة معه إلى ما ذكر من الترجيح أو الحمل.
وكيف كان، الصحيح قاصر عن المعارضة; لشهرة تلك الأخبار عملاً, ولكثرتها وأصحيّة سندها ومخالفتها مع العامة.
نعم, ما في (الجواهر) من الحمل على الندب غير تام; لما في الصحيح من التعليل والاستدلال بالآية, حيث إنَّ الإسراف في القتل منهيٌّ ومحرّم بلا إشكال، كما أنّ ما في (الوسائل) من الحمل على الكراهة، بل الحمل على التقية أيضاً غير وجيه, حيث إنّ التقية اضطرار وضرورة، والضرورة تتقدّر بقدرها، والضرورة والاضطرار مرتفعان ببيان أصل الحكم وبالنهي عن قتل الزائد، فالاستدلال بالآية زائد غير مضطرٍّ إليه وغير مناسب مع التقية كما لا يخفى.
________________________________________
[1] - البقرة: 194.
[2] - وسائل الشيعة 29: 112، أبواب القصاص في النفس، ب 51، ح 1.
[3] - وسائل الشيعة 29: 112، أبواب القصاص في النفس، ب 51، ح 2.
[4] - جواهر الكلام 42: 62.
[5] - وسائل الشيعة 29: 366، أبواب ديات المنافع، ب7، ح 1.
[6] - نكت النهاية (ضمن الجوامع الفقهية): 695، كتاب الديات.
[7] - رياض المسائل 2: 502.
[8] - جواهر الكلام 42: 66.
[9] - كتاب الخلاف 5: 156، كتاب الجنايات، المسألة 14.
[10] - الإسراء: 33.
[11] - وسائل الشيعة 29: 43، أبواب القصاص في النفس، ب 12، ح 6.
[12] - وسائل الشيعة 29: 42، أبواب القصاص في النفس، ب 12، ح 3.
[13] - عن داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه عليه السلام, في رجلين قتلا رجلاً, قال: ((إن شاء أولياء المقتول أن يؤدّوا دية ويقتلوهما جميعاً قتلوهما)). وسائل الشيعة 29:41، أبواب القصاص في النفس، ب 12، ح 1.
[14] - وسائل الشيعة 29: 43، أبواب القصاص في النفس، ب 12، ح 5.
[15] - وسائل الشيعة 29: 44، أبواب القصاص في النفس، ب 12، ح 10.
[16] - الإسراء: 33.
[17] - تهذيب الأحكام 10: 218، كتاب الديات، ب 4، ح 5.
[18] - جواهر الكلام 42: 69.
[19] - وسائل الشيعة 29: 44، أبواب القصاص في النفس، ب 12، ذيل ح 8.
الدرس اللاحق الدرس السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org